دوشة آخر الليل

باسمة التكروري
19سنة، بيت حنينا

دوشة،فرجة،دوخة،تترتب ترتيبا تنازليا حسب اجتياحها للوقت.هكذا يوم كامل يمر علي وأنا أؤجل الراحة إلى الليل،رغم معرفتي بأني آخر مخلوق يستطيع النوم في الليل،لكني مع ذلك (ضحكت على حالي بكلمتين) وقررت الاستمرار في القراءة.

أنا الآن وبعد كل شيء أشعر بدوخة،ربما كان مردها أنني لم أنم حتى الآن والساعة قد تجاوزت الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وهي حالة يندر أن أصاب بها، إلا بعد قراءة متواصلة لكتاب متواصل الجودة،كذلك الذي قرأت أول الليل.

لم تكن الشمس قد تخلت عن النهار، بعد حين بدأت المروحيات العسكرية تدور فوق البنايات، في مستوى منخفض جدا،وقريب من سطوح البناية  ، ثلاث مروحيات أو أربع استطاعت أن تخلق دوشة رهيبة.

ومع أن رأسي كان (يفتل )يمينا و يسارا وأنا أسمع الأصوات،لم  أترك الكتاب، ولم تغرني الدوشة بترك كرسيي، إلا  بعد أن حان وقت الفرجة، حين اجتاحت مجموعات من الجيش الإسرائيلي كافة حارات مشروع نسيبة الإسكاني الذي أسكن بطبيعة الحال ،وتمترست مجموعة في رأس حارتنا، مزودة صراخ المروحيات صراخا ألعن.

المهم أن الفرجة أخذت من الوقت ما أخذت، وكانت (ببلاش) إلى أن توغل بعض أفراد المجموعة إلى وسط الحارة وصاروا يفتشون التلة المقابلة تماما لشرفة منزلنا حيث كنت أتفرج، وكانت أختي الصغيرة تحاول الفرجة أيضا، لكن بشيء من الخوف. حيث صرخ أحد الجنود مناديا على زملائه، مما جعل فم أختي ينفلت عن صرخة مرتعبة،أرعبت انتباهه إلينا، صوب مصباحه اليدوي إلى وجهي، وقال "فوت جوا" ،وهي ليست كلمات أجنبية أبدا، بل هي عربية حتى العظام،فكلمة (فوت) من فات يفوت فت،بمعنى أدخل،و(جوا) لا تعني جوا، مثل بحرا أو برا ،كلا بل تعني (إلى الداخل) فيصبح المصطلح(فوت جوا) أدخل إلى الداخل،"فوت أنت جوا" ،أزعجني أن يخاطبني بصيغة المذكر، وعزوت ذلك إلى قصة شعري، ثم اعتزمت على إخباره بأنها قصة فرنسية،وأنه هو الجاهل بقضايا  الموضة،وأنه (ذوقلس) أي عديم الذوق في العر بية،لكن أمي كانت قد سحبتني إلى الداخل، اغتظت كثيرا، وذهبت إلى المطبخ كي أنفس عن غيظي بالأكل، نظرت إلى مجموعة أخرى من الجيش كانت تفتش في الحارة التحتا، وتعكس مصابيحها على شبابيك الناس، وفكرت قليلا بموضوع "فوت جوا"،ماذا  لو صوب أحد الجنود مصباحه إلي وأنا في عقر مطبخي، وطلب مني أن "أفوت جوا" ؟ لن يكون لي حينها إلا صحن المقلوبة كي (أغز  رأس) فيه !!

فجأة وأنا وسط حيرتي في أمر (الفوتان جوا) ، سمعت أمي تنادي "تعالوا شوفوا" وما كادت تقول حتى هجمنا كلنا كي "نشوف" ،ويا للروعة، كانت الحارة تتألق على شاشة التلفاز، ونحن الذين دون فخر أكثر  من فخرنا ،كنا  دوما من شلة 99% في علامة اللغة العبرية في المدارس، استطعنا أن نلقطها من فم المذيع على الطاير ، حيث قال أن ثلاثة من (المخربين) على حد تعبيره الخربان، قد لاذوا بالفرار من الجيش الإسرائيلي والتجأوا إلى مشاريع نسيبة في بيت حنينا_ ويا له من ملجأ‍_ المهم أن الحارة أصبحت مشهورة، وطلعنا على التلف زيون .

لم يعثروا حتى اللحظة على أحد، لكنهم يئسوا من المقاومة المضنية _التي لم يبدها أي من سكان نسيبة-واضطروا إلى الانسحاب من الاسكان أمام صمود واستبسال السكان في الاختباء تحت الطاولات والأسرة،ولو  عنّ لرئيس  جيش الدفاع أن يقصف الإسكان  ليفش خلقه مثلا ،لادعى بأن الاسكان كان خاليا من البشر  ..

ذهب الجيش، وصياحه، لكن الطائرات لم تذهب لا دوشتها ولا كشافاتها، لا سامحك الله يا أديسون ‍، هل كان من الضروري أن تجننا  باختراعاتك؟

أما عشنا آلاف الأعوام على مصابيح الزيت،صهيوني أنت إذن ، متعاون متواطئ نذل، ومع أنك اخترعت لهم ما اخترعت لنا، إلا أن الأعمال بالنيات، ونيتك أباتشي مثلك..

أما كفاك ما أدخلت  من المنغصات إلى كتب الدراسة، حتى تدخل ويل كشافات هذه المروحيات فوق سريري، وأنا التي لا ينغلق جفناي على شعاع من  الضوء مهما صغر .

الساعة الآن تقترب من ا لثانية، عيناي تذهبان وتعودان تباعا كلما اقتربت من الورقة أكثر، وأشعر بالدوخة تكاد ترمي بي من على الكرسي، فقد اعتزمت كتابة ما مر الليلة، عل إرهاق عيني يأخذ من قدرتهما على البقاء مفتوحتين، ما يأخذ فأنام وأخلص.

بدأ الشبان يعودون إلى الحارة بعد احتجاز الجيش لهم في أول الشارع المؤدي إلى الإسكان، وحالما يعود أخي ستبدأ في المنزل دوشة أخرى، والكل سيحاول استجوابه عما حدث معه، ومع من كان معه ومع مع من كان معه ..ومعـ..

آخ يا راسي ‍..